العرب والعالم

ما بين إيران وأميركا أعمق مما تتصورون

 

قراءة لاهوتية وسياسية في خطاب بيت هيغسيث: حين تدخل إيران بين «يوم الدين» و«أرسلني» و«الرب يدرّب أيدينا للحرب»

اعداد محمد قاسم 

 

قد يبدو خطاب وزير الدفاع الأميركي بيت هيغسيث في الذكرى الخامسة والعشرين لهجمات 11 سبتمبر خطابًا عسكريًا شديد اللهجة عن إيران والإرهاب والأمن القومي. لكن القراءة الدقيقة لتركيبته اللغوية تكشف شيئًا أعمق: هيغسيث لم يستخدم الدين لتزيين خطاب عسكري؛ بل استخدم بنية دينية كاملة لوضع الحرب داخل قصة أكبر عن الخير والشر والتاريخ والواجب والنهاية.

في سبع دقائق تقريبًا انتقل من 11 سبتمبر إلى سفر إشعياء، ومن «الانتقام» إلى «يوم الدين»، ومن إيران إلى «حروب وأخبار حروب»، ثم إلى المزامير و«الرب حصننا ودرعنا» و«يدرّب أيدينا للحرب»، قبل أن يختم بأن الإيمان بالله هو مصدر القوة لهزيمة الأعداء وحماية الجمهورية. نص الخطاب المنشور بالفيديو يؤكد هذا التسلسل تقريبًا كلمة بكلمة.

وهنا تصبح المسألة أبعد بكثير من السؤال: هل هيغسيث متدين؟

السؤال الأكثر أهمية هو: ما العالم اللاهوتي الذي ينظر منه وزير الحرب الأميركي إلى إيران والحرب والقوة الأميركية؟


البداية من عبارة لم تكن عسكرية أصلًا: «أرسلني»

قال هيغسيث وهو يستعيد اللحظة التي أعقبت هجمات 11 سبتمبر إن ملايين الأميركيين تقدموا وقالوا: «أرسلني»، ثم ذكر صراحة سفر إشعياء وعبارة النبي: «هأنذا، أرسلني».

المصدر هو إشعياء 6:8 من العهد القديم.

لكن السياق الأصلي ليس تعبئة عسكرية.

إشعياء يرى الرب ثم يسمع السؤال: من أرسل؟ ومن يذهب من أجلنا؟ فيجيب النبي بأنه مستعد للقيام بالمهمة النبوية.

هيغسيث يأخذ هذا النداء النبوي ويضعه مباشرة فوق تجربة الأميركيين الذين التحقوا بالجيش بعد 11 سبتمبر. وفي خطابه تصبح البنية:

الله يدعو → النبي يقول أرسلني → أميركا تتعرض للهجوم → الأميركي يقول أرسلني → الجندي يذهب إلى الحرب.

هذه ليست إحالة دينية عرضية، بل تحويل لفكرة vocation – الدعوة الإلهية إلى نموذج للخدمة العسكرية.

والأكثر أهمية أنه يعود إلى العبارة مرة ثانية قرب نهاية الخطاب، عندما يتحدث عن «جيل جديد من المحاربين الأقوياء والشجعان» الذين سيقولون عندما تحين اللحظة: «أرسلني».

أي أن إشعياء لا يظهر في الماضي فقط، بل يصبح نموذجًا للمستقبل.


«كانت تلك الحروب انتقامنا»

بعد «أرسلني» مباشرة ينتقل هيغسيث إلى حروب ما بعد 11 سبتمبر.

يصف جيلًا من التضحية والشجاعة والثبات، ثم يقول إن تلك الصراعات، رغم أنها لم تكن مثالية، كانت «انتقامنا» أو our retribution.

اختيار كلمة retribution مهم.

فهو لا يقدم أفغانستان والعراق والعمليات العسكرية اللاحقة فقط بوصفها سياسات أمن قومي خضعت للصواب والخطأ، وإنما يدخل فيها عنصر الجزاء الأخلاقي.

وبذلك تتشكل معادلة ثانية:

وقع الشر → سال دم الأبرياء → نهض المحاربون → نُفذ الجزاء.

ثم يفعل هيغسيث شيئًا بالغ الأهمية: ينقل هذه القصة من تنظيم القاعدة وحروب ما بعد 11 سبتمبر إلى إيران عام 2026.

وهنا تحدث القفزة الرئيسية في الخطاب.


من بن لادن إلى طهران: إعادة تعريف العدو

هيغسيث لا يقول إن إيران نفذت هجمات 11 سبتمبر. لكنه يقوم بشيء مختلف وأكثر تأثيرًا من الناحية الخطابية: يضع إيران داخل السلسلة الأخلاقية نفسها.

يبدأ بـ«الإرهابيين الإسلاميين» الذين نفذوا 11 سبتمبر، ثم يقول إن الصراع مع الشر لم ينتهِ، وإن أعداءً ما زالوا يسعون إلى قتل الأميركيين، ثم ينتقل مباشرة إلى إيران ويصفها بأنها «ثيوقراطية إسلامية» عادت الولايات المتحدة اليوم لمقاتلتها.

صحيفة الغارديان لاحظت البنية نفسها، معتبرة أن ترامب وهيغسيث استخدما مراسم 11 سبتمبر لربط الحرب الأميركية الحالية على إيران بإرث «الحرب على الإرهاب».

وهنا يصبح 11 سبتمبر في الخطاب أكثر من حدث تاريخي.

إنه يتحول إلى نقطة تأسيس أخلاقية يمكن إلحاق خصوم جدد بها:

القاعدة ← الإرهاب الإسلامي ← الشر المستمر ← إيران.

وهذا يتيح نقل الرصيد العاطفي والأخلاقي لهجمات 11 سبتمبر إلى حرب لم تبدأ بسبب 11 سبتمبر.


أخطر جملة في الخطاب: «حتى يوم الدين»

ثم يقول هيغسيث:

إن الصراع ضد الشر مستمر، وسيستمر «حتى يوم الدين»، وإن الجواب الوحيد في هذه الدنيا هو اليقظة الدائمة.

هذه ليست إحالة بسيطة إلى سياسة ردع.

عندما تضع الحرب بين نقطتين هما الشر ويوم الدين، فأنت تنقلها من الزمن السياسي المحدود إلى الزمن الأخروي.

في السياسة التقليدية توجد حرب تبدأ بسبب، وتوضع لها أهداف، ثم تتوقف عندما تتحقق تلك الأهداف أو تتغير الظروف.

لكن عندما يكون الخصم جزءًا من «الصراع ضد الشر المستمر حتى يوم الدين»، فإن الحرب تصبح جزءًا من حالة تاريخية دائمة.

وهذا ينسجم بصورة لافتة مع عبارته التالية:

«التاريخ لم ينتهِ. ولن ينتهي».

ليست إيران هنا مجرد مشكلة نووية؛ تصبح حلقة في معركة تاريخية أطول.


العهد الجديد يدخل الخطاب: «حروب وأخبار حروب»

بعد أن يتحدث عن ضرب إيران وإغراق ناقلاتها ومنعها من امتلاك السلاح النووي، يقول هيغسيث:

إن الكتاب المقدس يقول إن العالم سيشهد دائمًا «حروبًا وأخبار حروب».

المرجع هنا هو كلام المسيح في متى 24:6، وله نظائر في مرقس 13 ولوقا 21.

وهنا توجد نقطة تفسيرية شديدة الأهمية.

المسيح في السياق الإنجيلي لا يعطي أمرًا بشن الحرب. بل يخبر تلاميذه أنهم سيسمعون بالحروب، ويطلب منهم ألا يفزعوا.

أي أن النص وصفي وأخروي وليس أمرًا عسكريًا.

لكن في خطاب هيغسيث يأتي مباشرة بعد استعراض الحرب على إيران:

إيران ضُربت → المعركة ستُستكمل → والكتاب يقول إن الحروب ستظل موجودة → إذن «المعركة مستمرة».

لقد انتقل النص من وصف اضطراب العالم إلى عنصر يطبع استمرار القتال ويجعله جزءًا متوقعًا من نظام التاريخ.

وهذا أحد أكثر التحولات اللاهوتية أهمية في الخطاب.


ثم يعود إلى العهد القديم: «الرب يدرّب أيدينا للحرب»

في الخاتمة يصل الخطاب إلى أكثر نصوصه وضوحًا.

يقول هيغسيث إن الرب «حصننا ودرعنا»، ثم إن الرب «يدرّب أذرعنا للحرب وأيدينا للقتال».

الصياغة تجمع بوضوح صورًا من المزمور 144:1-2، وهو مزمور منسوب إلى داود يتحدث عن الرب الذي يدرب اليدين للقتال ويكون حصنًا ودرعًا وملجأ.

وهنا لا نعود أمام تأويل لنص غير عسكري.

هذا نص حربي بالفعل.

وتظهر بنية «الملك المحارب» في المزمور: الحاكم يقاتل، لكن قدرته ليست ذاتية؛ الله هو الذي يهيئه ويحميه ويمنحه القوة.

عندما ينقل وزير الدفاع الأميركي هذه الصورة إلى القوات المسلحة الحديثة تصبح الرسالة الضمنية:

الجندي الأميركي ليس وحده؛ القوة العسكرية تعمل تحت عناية إلهية.

ويقول هيغسيث بعدها مباشرة إن الولايات المتحدة، «مدعومة بالإيمان بالله القدير»، ستواصل هزيمة أعدائها وحماية الجمهورية.

هنا يكتمل الربط بين:

الله → المحارب → الحرب → الجمهورية الأميركية.


خريطة النصوص التي استخدمها هيغسيث

عبارة هيغسيثالمرجع الكتابي الأقربالعهدالمعنى الأصليوظيفتها في الخطاب
«هأنذا، أرسلني»إشعياء 6:8القديمقبول النبي رسالة إلهيةتحويل الخدمة العسكرية إلى «استجابة لنداء»
«حروب وأخبار حروب»متى 24:6 / مرقس 13:7الجديدوصف اضطراب تاريخي وأخرويتطبيع فكرة استمرار الحرب
«الرب حصننا ودرعنا»المزمور 144:2 وصور مزمورية مشابهةالقديمالله حامي الملك والمؤمنوضع المحارب تحت الحماية الإلهية
«يدرّب أيدينا للحرب»المزمور 144:1القديمالله يمنح داود القدرة القتاليةمنح القوة العسكرية إطارًا لاهوتيًا
«حتى يوم الدين»مفهوم أخروي كتابي عامالعهدان/التقليد المسيحيالدينونة الإلهية النهائيةتحويل الصراع إلى أفق يتجاوز السياسة

وهكذا فالخطاب ليس عهدًا قديمًا فقط ولا عهدًا جديدًا فقط.

لكن هناك توزيعًا لافتًا للوظائف: العهد الجديد يعطيه أفق استمرار التاريخ والحروب، بينما العهد القديم يعطيه صورة المحارب والقتال والحماية الإلهية.


أي كنيسة يتبع هيغسيث؟

هنا تصبح الصورة أوضح.

هيغسيث ينتمي إلى بيئة Communion of Reformed Evangelical Churches – CREC، أي «شركة الكنائس الإنجيلية الإصلاحية».

وقد أكدت وزارة الدفاع سابقًا ارتباطه بهذه الشبكة، كما كان يرتاد Pilgrim Hill Reformed Fellowship في تينيسي. وحضر لاحقًا انطلاقة Christ Church DC في واشنطن، وهي الكنيسة المرتبطة بالشبكة نفسها. وقال دوغ ويلسون، أبرز شخصيات CREC، في أبريل 2026 إن هيغسيث يشارك في العبادة ضمن جماعتهم في واشنطن.

وشبكة CREC ليست الإنجيلية الأميركية التقليدية بصورة مبسطة.

إنها تنتمي إلى اللاهوت الإصلاحي Reformed المتأثر بالكالفينية، وتشدد على سيادة الله ليس فقط على الحياة الفردية، بل على المجتمع والثقافة والسياسة.

وتشير أسوشيتد برس إلى تأثير أفكار Christian Reconstructionism عليها، وهي مدرسة ترى ضرورة تطبيق الرؤية الكتابية على المجال العام بصورة واسعة.

وهنا تكتسب العبارة التي سبق أن نشرها هيغسيث أهمية كبيرة:

All of Christ for All of Life — «المسيح كله لكل الحياة».

الباحثة جولي إنغرسول فسرت هذا الشعار بأنه يعكس فكرة أن المسيحيين مكلفون بمد سلطان الرؤية المسيحية إلى مختلف مجالات الحياة.

هذا هو المفتاح الذي يجعل كلامه في البنتاغون مفهومًا أكثر.

بالنسبة إلى هذا التيار، الدين ليس شأنًا شخصيًا ينبغي أن يبقى منفصلًا عن السياسة والحرب والتعليم والدولة.

الدين يقدم الإطار الذي تُقرأ من خلاله تلك المجالات.


دوغ ويلسون: الرجل الذي يساعدنا على فهم البيئة الفكرية

دوغ ويلسون ليس قس هيغسيث الشخصي، لكن تأثيره داخل CREC مركزي، والبنتاغون أكد أن هيغسيث يقدّر الكثير من كتاباته وتعاليمه.

والأهم أن ويلسون كتب بنفسه في أبريل 2026 مقالًا طويلًا عن هيغسيث والحرب على إيران.

وهنا نحصل على دليل مهم للغاية؛ لأننا لم نعد نستنتج العلاقة بين العقيدة والحرب من الخارج فقط.

ويلسون يقول صراحة إنه يقيم الحرب في ضوء «رؤية كتابية للعالم»، ويطبق مبادئ الكتاب المقدس القديمة على الظروف العسكرية الحديثة. كما يقول إن على هيغسيث أن يحب الله ويدرس الكتاب المقدس والحكمة المسيحية، ثم يتخذ القرار الذي يراه صحيحًا.

ويلسون نفسه أيد، وفق تقييمه المنشور، وجود مبرر قوي للحرب على إيران ومنعها من الحصول على سلاح نووي، مع وضع قيود مستمدة من نظرية «الحرب العادلة» على طريقة تنفيذها.

إذن الرابط بين اللاهوت والحرب ليس تخمينًا بالكامل.

البيئة الفكرية نفسها تقول إن السياسة والحرب ينبغي تقييمهما وفق رؤية كتابية.


لكن هل هذه عقيدة هرمجدون؟

هنا يجب أن نكون دقيقين جدًا.

لا توجد أدلة كافية للقول إن هيغسيث يخوض الحرب لكي يحقق نبوءة هرمجدون.

بل توجد حقيقة لاهوتية تعاكس هذا الاستنتاج جزئيًا.

دوغ ويلسون والتيار المؤثر حوله يتبنيان بدرجة كبيرة Postmillennialism – ما بعد الألفية.

وتقول Christ Church نفسها إن هذه العقيدة تتوقع انتشار معرفة الله وانتصار رسالة المسيح تاريخيًا قبل المجيء الثاني.

بل إن تفسير ويلسون لسفر الرؤيا يعتبر «هرمجدون» في رؤيا 16 مرتبطة بدرجة كبيرة بأحداث تاريخية قديمة وسقوط أورشليم، وليس حربًا نووية مستقبلية بين أميركا وإيران.

ولهذا فإن وصف هيغسيث بأنه «تدبيري يريد إشعال هرمجدون لاستدعاء المسيح» سيكون غير دقيق.

لكن هذا لا يعني غياب البعد الأخروي.

هو مختلف فقط.


المفارقة: هيغسيث يتهم إيران بـ«هرمجدون ديني»

في مارس، عندما سئل عن البعد الديني للحرب، وصف هيغسيث القيادة الإيرانية بأنها «متعصبون دينيون» يسعون إلى قدرة نووية من أجل ما سماه «هرمجدون ديني»، ثم أكد في الجملة نفسها تقريبًا أنه رجل إيمان ويشجع الجنود الأميركيين على الاعتماد على الله.

هذه مفارقة مركزية في فهم الحرب.

هيغسيث يرى أن الخطر يكمن في تسييس العقيدة الأخروية لدى الخصم، لكنه في خطابه هو نفسه يستخدم:

يوم الدين، الشر، مشيئة الله، المزامير الحربية، الدعوة النبوية، الحروب وأخبار الحروب، والإيمان بالله بوصفه سندًا لهزيمة العدو.

هذا لا يجعل الطرفين متطابقين.

لكنه يكشف أن الصراع يجري في فضاء تستخدم فيه اللغة الدينية على الجانبين لتفسير السياسة والقوة والتضحية.


إيران نفسها دولة ذات بنية لاهوتية

وهنا تصبح عبارة «ما بين إيران وأميركا أعمق مما تتصورون» أكثر دقة، لكن بشرط تجنب المبالغة.

إيران ليست دولة علمانية تستخدم الدين في الخطاب فحسب.

الدستور الإيراني ينص في مادته الثانية عشرة على أن الدين الرسمي هو الإسلام، وأن المذهب الرسمي هو الجعفري الاثنا عشري بصورة دائمة.

كما يقوم النظام السياسي على عقيدة ولاية الفقيه التي تمنح المرجعية الدينية موقعًا جوهريًا في بنية الدولة، وهي صيغة طورها روح الله الخميني لتبرير حكم الفقيه في عصر غيبة الإمام الثاني عشر.

وفي التشيع الاثني عشري يحتل الاعتقاد بالإمام المهدي وعودته في آخر الزمان موقعًا مركزيًا.

لكن هنا أيضًا يجب التفريق بين الإيمان بالمهدي وبين الزعم أن القيادة الإيرانية تريد إشعال نهاية العالم.

لا يوجد أساس علمي يجعل كل السياسة الإيرانية «مشروعًا لتعجيل القيامة». الدراسات التي تناولت النظام الإيراني شددت مرارًا على وجود قدر كبير من البراغماتية السياسية إلى جانب العقيدة الدينية، حتى عندما يكون الخطاب أيديولوجيًا قويًا.


المفارقة الأعمق: نظامان ينظران إلى السيادة بطريقة دينية مختلفة

هنا يظهر مستوى أكثر عمقًا من المقارنة.

إيران تقول دستوريًا إن النظام السياسي الإسلامي يعمل في إطار المرجعية الدينية والفقه.

أما CREC والبيئة المحيطة بهيغسيث فتنطلق من تصور إصلاحي يشدد على سيادة المسيح على «كل الحياة»، بما فيها المجال العام.

لكن الفرق مؤسسي وحاسم:

إيران دولة دينية دستوريًا. الولايات المتحدة ليست كذلك.

ولذلك لا يجوز القول إننا أمام «دولة مسيحية ضد دولة إسلامية».

لكن يمكن القول إن واحدًا من أهم المسؤولين عن القوة العسكرية الأميركية بات يستخدم لغة تنتمي إلى تيار يرى أن الإيمان المسيحي يجب ألا ينحصر داخل الكنيسة.

وهذا ما يجعل اللحظة استثنائية.


ما بعد الألفية مقابل الانتظار الشيعي للمهدي

هناك تشابه بنيوي مثير للاهتمام، لكنه ليس تطابقًا عقائديًا.

في التشيع الاثني عشري يوجد الإمام الغائب وانتظار عودته وإقامة العدل النهائي.

وفي الرؤية الـPostmillennial التي يتبناها ويلسون، يسير التاريخ نحو توسع ملك المسيح وتأثير الإنجيل في الأمم قبل العودة النهائية للمسيح.

كلا التصورين يقول، بطرق شديدة الاختلاف، إن التاريخ ليس بلا اتجاه.

التاريخ يتحرك نحو غاية دينية.

وهنا تختلف هذه النظرة جذريًا عن الواقعية السياسية التقليدية التي ترى الدول بوصفها كيانات تسعى إلى الأمن والقوة والمصالح.

عندما يدخل التصور الديني إلى السياسة، يصبح السؤال ليس فقط:

ماذا نربح من الحرب؟

بل:

في أي جانب من التاريخ نقف؟

وهذا سؤال أخطر بكثير.


هيغسيث لا يقول «نحن في هرمجدون»… بل شيئًا أكثر استمرارًا

هذا هو الاستنتاج الأهم من خطابه.

هيغسيث لا يعلن أن معركة إيران هي معركة هرمجدون الواردة في سفر الرؤيا.

على العكس، البيئة اللاهوتية التي ينتمي إليها لا تتبنى غالبًا القراءة التدبيرية الشهيرة التي تنتظر حربًا وشيكة حول إسرائيل تؤدي مباشرة إلى المجيء الثاني.

لكنه يقدم تصورًا قد يكون سياسيًا أكثر تأثيرًا:

الصراع مع الشر دائم.

الحرب جزء من العالم حتى يوم الدين.

كل جيل يحتاج محاربين يقولون «أرسلني».

الله يدرّب أيدي المحاربين.

والإيمان بالله يقوي الجمهورية في هزيمة أعدائها.

هذه ليست نبوءة عن حرب واحدة أخيرة.

إنها لاهوت للاستعداد الدائم للصراع.


إعادة قراءة الخطاب كاملًا

إذا جمعنا الجمل بحسب ترتيبها، نرى بناءً شبه متكامل:

11 سبتمبر لم يكن فقط هجومًا، بل ظهورًا للشر.

ظهور الشر استدعى «أرسلني».

«أرسلني» أنتج جيل الحروب الخارجية.

تلك الحروب كانت «انتقامًا».

لكن الشر لم ينتهِ.

وسيستمر حتى يوم الدين.

وعدو اليوم هو إيران التي يقدمها بوصفها «ثيوقراطية إسلامية».

الحرب عليها ستستمر حتى «إنهاء المعركة».

الحروب ستظل موجودة لأن الكتاب المقدس تحدث عن «حروب وأخبار حروب».

لذلك يجب تربية جيل جديد من المحاربين.

وهؤلاء المحاربون ليسوا وحدهم لأن الرب حصنهم ودرعهم.

والرب نفسه «يدرّب أيديهم للحرب».

ثم تأتي النتيجة:

بالإيمان بالله ستُهزم الأعداء وتُحمى الجمهورية.

هذه ليست مجموعة اقتباسات عشوائية.

إنها قصة لاهوتية متماسكة للحرب.


المفارقة الكبرى بين واشنطن وطهران

الصراع الأميركي الإيراني اليوم يحتوي بالطبع على عناصر شديدة المادية: البرنامج النووي، مضيق هرمز، النفط، أمن إسرائيل، قواعد الولايات المتحدة، الصواريخ، النفوذ الإقليمي، الملاحة والعقوبات.

لكن تحت هذه الطبقة توجد سرديتان أعمق.

طهران وُلدت من ثورة تعلن أنها إسلامية، ودستورها يجعل المذهب الجعفري الاثني عشري جزءًا دائمًا من هوية الدولة.

وفي واشنطن يوجد الآن وزير حرب ينتمي إلى شبكة مسيحية إصلاحية محافظة، يحمل تصورًا معلنًا عن سيادة الله والمسيح على الحياة العامة، ويستدعي أمام القوات المسلحة إشعياء والمزامير والمسيح ويوم الدين لكي يفسر صراع أميركا وإيران.

لذلك لا ينبغي اختزال الحرب إلى «مسيحيين ضد مسلمين»؛ فهذا تحليل سطحي وخاطئ.

لكن الخطأ المقابل أيضًا هو تجاهل الدين تمامًا والتعامل مع كل ما يجري كأنه نفط وصواريخ وحسابات قوة فقط.

الدين هنا ليس سبب الحرب الوحيد، لكنه أصبح إحدى اللغات التي تمنح الحرب معنى.

وهذا فارق جوهري.


الخلاصة: ما بين إيران وأميركا أعمق مما تتصورون

الأخطر في خطاب هيغسيث ليس أنه أعلن هرمجدون؛ فهو لم يفعل.

الأخطر تحليليًا أنه رسم خطًا يصل بين:

11 سبتمبر → الشر → الانتقام → إيران → يوم الدين → الحروب المستمرة → «أرسلني» → الرب الذي يدرب الأيدي للحرب.

وعندما يكون المتحدث المسؤول الأول عن أكبر آلة عسكرية في العالم، لا تعود هذه المفردات مجرد وعظ ديني.

إنها نافذة على الطريقة التي قد يفهم بها صاحب القرار الحرب نفسها.

وفي الجهة المقابلة تقف جمهورية إسلامية بني نظامها أصلًا على عقيدة سياسية دينية، وتعيش حربها داخل سردية الثورة والمظلومية والمقاومة والولاية.

لذلك فالصراع الحالي ليس حربًا دينية صافية، وليس مجرد حرب جيوسياسية صافية.

ما بين إيران وأميركا أعمق مما تتصورون

إنه أخطر من الاختزالين معًا:

مصالح استراتيجية قاتلة، فوقها صراع على القوة، وداخلها سرديات دينية تمنح الصمود والقتال والتضحية معنى يتجاوز الحسابات المادية.

وهنا تحديدًا يجب قراءة عبارة هيغسيث الأخيرة بصورة مختلفة:

عندما يقول إن «الرب يدرّب أيدينا للحرب»، فهو لا يصف صاروخًا أو سفينة أو خطة عمليات.

إنه يحدد المكان الذي يعتقد أن القوة تأتي منه، والمعنى الذي يمنحه لاستخدامها.

وهنا يصبح ما بين إيران وأميركا بالفعل أعمق مما نراه على خرائط الحرب.

news-music.net — متابعة الخبر
اظهر المزيد

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى